1-
الفِطْرَة: لغةً: الخِلْقةُ الأولى. وشرعًا: هي
ما فطر الله سبحانه العباد عليه من الإقرار بمعرفته، والإيمان به، وشهادتهم أنه
سبحانه ربهم الذي خلقهم وربَّاهم بنعمه، أقرُّوا بذلك لله وهم في الأصلاب، قال
تعالى: {وَإِذْ
أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ
عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين ﮃ}[الأعراف:172].
2-
فكلُّ إنسانٍ بل وكلُّ الجنِّ قد فُطروا على معرفة الله تعالى
والإيمان به وبدينه، وكلهم يولدون حنفاء مسلمين لله صادقين مصدِّقين لا يقبلون
الشرك ولا الإلحاد ولا المعاصي ولا الكذب، قال ح:
«مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ
عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»(2)
وعند مسلم: «أو يُشَرِّكانه»،
ولم يقل: أو يمسلمانه؛ لأنه مولود على فطرة الإسلام، وإنما يحصل له الانحراف بسبب
انحراف والديه وتربيتهما له على دينهما الباطل، فلو تركاه يختار بين الإسلام
وأديانهم بعدما يعقل ويدرك لم يقبل سوى الإسلام، وأساسه التوحيد الذي أَرسل الله
به رسله وأنزل به كتبه، قال ح: قال الله تعالى: «خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ ...»(3) الحديث.
3-
والجمع بين ما تقدَّم وبين قوله تعالى: {وَاللّهُ
أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا}[النحل:78]، وقوله سبحانه: {وَوَجَدَكَ
ضَالاًّ فَهَدَى ﮑ}[الضحى:7]،
وما في معنى ذلك من النصوص: أن
الإنسان يولد لا يعلم شيئًا من تفاصيل الدين وفروعه ومعاني الألفاظ الاعتقادية على
التفصيل، ولكنه يؤمن بفطرته أنه مخلوق، وأن له خالقًا ورازقًا ومدبرًا، ويحسُّ في
وجدانه بحبِّ هذا الخالق وعبوديته له دون أن يستطيع التعبير عن ذلك، وهذا معنى عدم
علمه، والعلم عند الله تعالى.
4-
ومعنى هداية الرسول ح من الضلال إلى الهدى، أي: أن الله
سبحانه هداه بالقرآن الذي أنزله عليه فيه الهدى والنور والشفاء لما في الصدور،
فعرف بوحي الله الذي هداه به تفاصيل ما في فطرته السليمة، وفي مقدمة ذلك معرفة
أركان الإسلام والإيمان والإحسان، وأحكام المعاملات وغير ذلك، مما لم يعلمه إلا
بعد ما أنزل الله إليه بيان ذلك في كتابه.
5-
ولذا؛ فإن الملحد الذي ينكر وجود الخالق سبحانه ويقول: إن
الكون مادة، ولا إله، ولا دين، إنما يغالط نفسه وفطرته، ويجحد ما في قرارة نفسه من
الإقرار بوجود الله الخالق المالك المتصرف، ولذا؛ فإنه لا يستطيع مناظرة طفل في
روضة الأطفال في هذا الشأن، فضلًا عن المؤمن العاقل العالِم بالله ورسوله ودينه،
ويشهد لذلك ما اشتهر من فضيحة وخذلان مدرس ملحد متحمس للإلحاد والشيوعية في أحد
المدارس الابتدائية في إحدى البلاد الإسلامية التي احتلتها الشيوعية في الماضي،
وهو يريد إقناع الطلاب بأنه لا إله وأن الحياة مادة، وأن لا يصدقوا بما يقول لهم
الآباء والأمهات بأن لهم ربًّا ودينًا، وإنما يصدقون بالمحسوس الذي تدركه حواسهم
فقط، فيرونه بأعينهم أو يسمعونه بآذانهم ... فسأله طالب ذكي قائلًا: يا أستاذ، هل
أنت عاقل؟ قال: نعم، أنا عاقل، وأنت عاقل، وكل زملائك عقلاء. فَرَدَّ عليه قائلًا:
أرنا عقلك إذا تسمح حتى نصدق أنك عاقل!! فبُهت الذي كفر وصار أضحوكة لبقية الطلاب،
وهتفوا: ربنا الله.
6-
فالله سبحانه لم ولن يُرَ في الدنيا، {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِير ﭯ }[الأنعام:103].
7-
ولكن العقلاء المؤمنون به عرفوه بآياته ومخلوقاته التي استدلت
عقولهم بها على وجوده وربوبيته وألوهيته ووحدانيته /،
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد.
8-
ورؤيته سبحانه يوم القيامة حقٌّ، وهي أعلى نعيم الجنة، وسيراه
المؤمنون عيانًا بأبصارهم في عرصات القيامة، وبعد دخولهم الجنة-نسأل الله لذة
النظر إلى وجهه الكريم-، ومن ذلك قوله ح لأصحابه عندما نظر إلى القمر ليلة
البدر: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ
رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لا
تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ»([1])، أما في الدنيا فلا يراه سبحانه أحدٌ
حتى الرسل، ولما عُرِجَ بخاتم المرسلين ح كلَّمه الله كما كلَّم موسى u لكنه لم يره، بل قال ح لما سُئِلَ عن ذلك: «نُورٌ
أَنَّىٰ أَرَاهُ»([2]).
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ
وَعَلَى آلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ.
(1) من
كتاب (الإسلام
في بيان ما عليه النبي ح وصحبه الكرام) تأليف
فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر-رحمه الله-، الجزء الأول صـــــــ (138:135).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق