الأربعاء، 22 أغسطس 2018

أحكام الحج يوم العيد || للشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر

من أحكام اليوم العاشر

1)                       اليوم العاشر: هو يوم عيد الأضحى، وسمي يوم الحج الأكبر لكثرة ما يؤدى فيه من المناسك.

من أحكام الجمار

2)           المسألة الأولى: يشرع للحاج إذا وصل مِنى من مزدلفة ملبيًا مكبرًا أن يبدأ برمي جمرة العقبة، وهي القصوى التي تلي مكة، ويقطع التلبية إذا شرع في الرمي ويرميها من بطن الوادي جاعلاً مكة على يساره، ويرمي الحصى واحدة واحدة يكبر مع كل حصاة فلو رماها جميعًا حسبت واحدة، ولو رمى بعضها كثلاث أو أربع لم يحسب هذا البعض إلا واحدة.
3)           المسألة الثانية: يسن بعد الرمي نحر الهدي للقارن والمتمتع الذين يجدانه.
4)           المسألة الثالثة: يسن بعد نحر الهدي حلق الرأس أو تقصيره والحلق أفضل وقد دعا رسول الله ح للمحلقين بالمغفرة ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة([1]).
5)           المسألة الرابعة: يجب على من قصر أن يأخذ من جميع شعر رأسه، وإن اقتصر على الأخذ من جميع جوانبه وهامته بالمقص جاز مع الكراهة، أما الذي لا يأخذ إلا شعرات من جانب أو جانبين فهذا لم يقصر وعليه الإعادة.
6)           المسألة الخامسة: يسن بعد الرمي والحلق أو الطواف والرمي أو الطواف والحلق التحلل الأول، وهو أن يتنظف الحاج ويلبس المخيط ويتطيب، ويأخذ ما يحتاج إلى أخذه من الأظافر والشارب إلا اللحية، فإنه يحرم عليه حلقها أو تقصيرها، كما هي حال الذين لا يبقون منها إلا القليل لقوله ح: «قُصُّوا الشَّوَارِبَ، وَاعْفُوا اللِّحَى»([2]).
7)           المسألة السادسة: إذا فعل الحاج اثنين من ثلاثة وهي الرمي والحلق والطواف المتقدم ذكرها - تحلل التحلل الأول كما تقدم ذكره، وقد حل له كل شيء حرم عليه بالإحرام إلا النساء.
8)           المسألة السابعة: ويجوز التحلل الأول بعد رمي جمرة العقبة لكن الأفضل والأحوط أن لا يتحلل التحلل الأول إلا بعد اثنين من الثلاثة المذكورة.
9)           المسألة الثامنة: تحرم الزوجة على الحاج وتحرم هي على زوجها إن كانت حاجة حتى يتم التحلل الثاني، وهو فعل الأنساك الثلاثة: الرمي والحلق أو التقصير والطواف بالبيت والسعي إذا كان متمتعًا، أو غيره إن لم يكن قد سعي قبل الخروج إلى منى.
10)      المسألة التاسعة: لا يجوز للمرأة أن تحلق، وإنما تقصر من شعر رأسها قدر أنملة من جميع الجهات.
11)      المسألة العاشرة: يجوز تقديم الطواف والسعي والرمي ونحر الهدي بعضها على بعض، لما ثبت عن عبد الله بن عمرو   أن النبي ح سئل عن تقديم الحلق على الرمي وعن تقديم الذبح على الرمي وعن تقديم الإفاضة على الرمي، فقال: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ، إِلاَّ قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ»([3]).
        ولحديث ابن عباس   أن النبي ح قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والـتأخير فقال: «لَا حَرَجَ»([4]).
        ولما روى البخاري، عن ابن عباس أيضًا قال: كَانَ النَّبِيُّ ح يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ» فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ» وَقَالَ رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ»([5]).
12)      المسألة الحادية عشرة: والسنة في ترتيب الأنساك إذا وصل منى من مزدلفة أن يفعل ما فعله النبي ح، وهو: أن يبدأ برمي جمرة العقبة، ثم ينحر هديه ثم يحلق ثم يحل التحلل الأول، ثم يطوف بالبيت ويسعى إن كان عليه سعي وهو المتمتع أو القارن، والمفرد الذي لم يسع قبل الخروج إلى منى وعرفات، أما من يشق عليه ذلك أو يجهله فلا حرج في التقديم والتأخير كما تقدم بيان ذلك.
13)      المسألة الثانية عشرة: في قوله ح لمن قدم أو أخر: «لَا حَرَجَ» - دليل على أن معنى قوله ح: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّى لاَ أَدْرِى لَعَلِّى لاَ أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ»([6])، إنما هو لازم في الإتيان بأركان الحج وواجباته، واجتناب محظورات الإحرام على قدر الاستطاعة أما ما يحصل من تقصير نتيجة جهل أو نسيان أو مانع شرعي فهو معفو عنه، إن شاء الله تعالى.
14)      المسألة الثالثة عشرة: إذا حصل جماع بعد التحلل الأول وقبل الثاني أو بعد الإفاضة من عرفات فعلى الزوج التوبة إلى الله سبحانه، وكذلك على الزوجة إن كانت مطاوعة، أما الجماع قبل الإفاضة من عرفات فهو محرم وإثم إذا كان المجامع عالمًا بالتحريم ذاكرًا غير ناس مختارًا غير مكره، وعليهما أن يحرما بالحج من مكانهما بعرفة احتياطاً إن كان بوقت الوقوف بقية وحجهما صحيح مع التوبة إلى الله سبحانه، وقد تقدم توجيه هذا القول وأن الأدلة قائمة على عدم صحة ما خالفه.
15)      المسألة الرابعة عشرة: الإقامة بمنى ليالي وأيام التشريق واجبة أكثر النهار وأكثر الليل، ومن لا يجد مكانًا فإنه ينزل حيث تنتهي الخيام خارج منى سواءً جهة مزدلفة أو جهة مكة، وحينئذ يعد ساكنًا في منى وله أجر من سبقوه إلى منى، إن شاء الله، كما هي حال المصلين الذين يصلون خارج المسجد عندما يمتلئ، ولا يجدون مكانًا وليس بينهم وبين المسجد حائل يخرجهم عن عداد المقتدين بالإمام، كشارع تمر منه السيارات أو بنيان يحجب عنهم المسجد والمصلين.
16)      المسألة الخامسة عشرة: أما إقامة من لا يجدون أماكن بمنى من الحجاج بمنازلهم بمكة فإن ذلك لا يجوز لتركهم هذا الواجب، وعليهم التوبة إلى الله سبحانه، ولا يعذر إلا لمن له عذر شرعي يمنعه من النزول حيث تنتهي به الخيام، والله أعلم.
17)      المسألة السادسة عشرة: إذا نزل الحاج إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة، وفاته المبيت بمِنى فلم يرجع إلا من الغد لمانع شرعي كالزحام ونحوه، فلا حرج عليه، ومثله من نزل لعذر مشروع آخر، وكذلك من يعملون لخدمة الحجاج فإنهم لا تلزمهم الإقامة بمنى.
18)      المسألة السابعة عشرة: الأيام والليالي التي يلزم الحاج الإقامة خلالها بمنى، هي: يوم العيد، ويومين بعده بليلتيهما لقوله تعالى:              [البقرة: 203].
19)      المسألة الثامنة عشرة: يلزم رمي الجمار الثلاث في اليومين الحادي عشر والثاني عشر بعد الزوال، فإن تعجل ونزل إلى مكة فلا يلزمه الرمي في اليوم الثالث حتى لو عاد إلى منى لحاجة، أو ليقيم في خيمته لعدم منزل له بمكة، ومثله من تعجل وركب راحلته قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر لكنه انحبس في الطريق لعذر شرعي فعاد إلى خيمته، ولو لم يخرج بعد من منى فقد تم له التعجل على السنة، ولا يلزمه الرمي من الغد لأنه قد تعجل، لكنه حبس عن الخروج من منى فرجع إلى منزله كما لو نزل خارج مِنى. هذا ما يراه البعض ولا دليل لهم سوى ما تأولوه في معنى اليوم وهذا التأويل لا يجوز الإلزام به.
20)      المسألة التاسعة عشرة: قلت: من نوى التعجل بعد رميه الجمار بعد الزوال في اليوم الثاني عشر فقد تعجل وإن جلس في منى لأن الآية الكريمة: (فمن تعجل في يومين) الآية تعم إباحة التعجل من بعد الرمي بعد الزوال مطلقا لكنه لو تأخر ورمى في اليوم الثالث فهو الأفضل.
21)      المسألة العشرون: ليعلم الحاج أن عدم تعجله إذا لم يكن عليه ضرر بذلك خير له، وأفضل من التعجل، لما في ذلك من زيادة الأجر لأن إقامته ليلة الثالث عشر ويومه حتى يرمي بعد الزوال عبادة لله سبحانه، واتباع لسنة النبي ح؛ لأنه لم يتعجل، واتباع السنة تتبعه المصلحة الدنيوية، وهي سلامته من شدة الزحام وحصول النزول إلى مكة بسهولة.
22)      المسألة الحادية والعشرون: السنة في رمي الجمار في أيام التشريق، وهي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر لمن تأخر أن يرمي بعدما تزول الشمس، أي: بعد أن يدخل وقت صلاة الظهر، كما فعل المصطفى ح ويستمر إلى آخر الليل، ولكنه في النهار أفضل وأحوط.
23)      المسألة الثانية والعشرون: من رمى قبل الزوال للسلامة من الخطر الناتج عن شدة الزحام قبل بناء الجسور، والذي يستمر إلى الغد لكثرة - الحجاج صح رميه للحاجة، وقد أفتى بذلك عطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان وغيرهما واشتهرت الفتوى بذلك عن كثير من العلماء لتزايد الحجاج، وما يحصل من الوفيات والإصابات عند رمي الجمار فلا إنكار لمن فعل ذلك لدرء الخطر عن نفسه.
        قلت: والذي يظهر عدم صحة الرمي قبل الزوال؛ لزوال خطر الزحام بعد أن بنت دولة التوحيد الجسور العظيمة الفسيحة المكونة من عدة أدوار بطريقة تفصل بين الآتي إلى الجمرات والراجع منها، والله أعلم.
24)      المسألة الثالثة والعشرون: السنة في رمي الجمار الثلاث في أيام التشريق أن يبدأ بالصغرى التي تلي منى فيجعلها على يساره، فإذا رماها ابتعد عنها ووقف يدعو رافعًا يديه مستقبل القبلة، ثم يذهب إلى الوسطى ويجعلها عن يمينه، فإذا رماها ابتعد عنها ودعا كما فعل عند الصغرى، ثم يذهب إلى جمرة العقبة فيجعلها على يمينه ومكة على يساره ثم يرميها ولا يقف عندها.
25)      المسألة الرابعة والعشرون: والسنة في الرمي أن يرمي الحصى واحدة بعد الأخرى يكبر الله تعالى مع كل حصاة بنية صالحة راجيًا من الله القبول، وقد تقدم صفة حصى الجمار.
26)      المسألة الخامسة والعشرون: لا يجوز تسمية الجمرة بالشيطان لأن رمْيَها شُرع لإقامة ذكر الله تعالى، كما شُرِع الطوافُ والسعي لذلك، ورَمْيُ الشيطانِ وإرغامه وإهانته إنما تحصل باتباع السنة في الرمي، والعزم على التوبة النصوح لله U، والاجتهاد في التضحية بمراد النفس ومحبوبها في سبيل مراد الله تعالى كما فعل الخليلان إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم.
27)      المسألة السادسة والعشرون: من بذل وسعه واجتهد في الوصول إلى الجمرة حتى انتهى إلى الموقع الذي لا يستطيع تجاوزه؛ ولكنه يشاهد الشاخص ثم رمى حصى الجمار واحدة بعد الأخرى يكبر الله مع كل حصاة نحو الشاخص باذلًا ما يستطيعه من قوة في الرمي لكي يصل حصاه إلى المرمى فقد أدى ما عليه، ورميه صحيح، إن شاء الله، ولو لم يصل حصاه إلى الحوض؛ لأن فعله هو وسعه الذي كلفه الله سبحانه به ولأنه لم يرد نص يلزم بإصابة الشاخص أو سقوط الحصى في الحوض بل إن الحوض محدث في أواخر القرن الثالث عشر الهجري لدلالة الناس على مكان الرمي، وذلك في أواخر الدولة العثمانية.
28)      المسألة السابعة والعشرون: يجوز للمريض والشيخ الكبير والنساء والصغار وكل من لا يقدر على الزحام، أو لا يستطيع المشي أو يضره أو لا يجد ما يركبه أن يوكل قويًا أمينًا يرمي عنه، والوكيل لابد أن يكون حاجًا حال توكله عن الغير؛ لأن غير الحاج ليس ملتزمًا بمناسك الحج ولا متلبسًا بها.
29)      المسألة الثامنة والعشرون: يجوز للحاج أن يتوكل عن أكثر من واحد؛ كأن يرمي عن أسرته، أبيه وأمه وزوجته وأولاده لضعفهم فيأخذ من كل واحد منهم إحدى وعشرين حصاة للجمار الثلاث، ويلتقط عمن لا يحسن التقاط الحصى، ثم يبدأ بالصغرى فيرمي عن نفسه، ثم يرمي عن موكليه واحدًا بعد الآخر، ناويًا عن كل واحد منهم الرمي عنه عند أول حصاة ثم يفعل عند الوسطى وجمرة العقبة كما فعله عند الأولى، ويدعو لنفسه ولهم بعد رمي الأولى والوسطى.
30)      المسألة التاسعة والعشرون: يجوز تأخير رمي الجمار كلها إلى آخر أيام التشريق، فيرميها بعد زوال الشمس أو بعد العصر مرَتّبَـة؛ الأولى ثم الوسطى ثم العقبة؛ لكنه لابد أن يرمي الثلاث لليوم الأول ثم يعود فيرمي عن اليوم الثاني، وهكذا، وإن كان وكيلاً عن أحد رمى عنه مع رميه عن نفسه على الترتيب المذكور.
31)      المسألة الثلاثون: أيام منى الثلاثة ولياليها لها حكم واحد، وكذلك رمي الجمار كلها لها حكم واحد؛ وهو أن الرمي نسك، وإقامة الأيام بمنى نسك ثان، فمن ترك هذين النسكين أو أحدهما ناسيًا أو جاهلاً أو مكرها فلا شيء عليه، ومن تركهما أو أحدهما لغير عذر مشروع فهو آثم يجب عليه التوبة إلى الله سبحانه، أما إلزامه بالدماء فلا دليل عليه، والله أعلم.
32)      المسألة الواحدة والثلاثون: يلزم الحاج أن يرمي كل جمرة بسبع حصيات، كما فعل النبي ح ولا يجوز تعمد إنقاص شيء منها لكن لو نقصت واحدة أو أكثر لعذر مشروع فلا حرج، إن شاء الله.
        أوصي الحاج أن يدعو بدعاء الخروج، وأن يتذكر بأنه في حال رميه منذ يخرج من خيمته حتى يرجع إليها هو في عبادة فيحتسب على ربه سبحانه أن يكتب له خطواته ومشقته حسنات، ويأخذ في حسبانه بنية صالحة أن يرشد الجاهل وأن يعين الضعيف، وأن ينقذ من وقع على الأرض، وأوصيه بذلك في جميع أحواله حتى يأتيه اليقين، فإنه إذا اصطحب هذه النية الصالحة عاش كل وقته في عبادة ولو كان نائـمًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.






([1]) أخرجه البخاري (1727)، ومسلم (1301).
([2]) أخرجه البخاري (5892)، ومسلم (259) بنحوه، وأخرجه أحمد (2/229) بلفظه.
([3]) أخرجه البخاري (87)، ومسلم (1306).
([4]) أخرجه البخاري (1734)، ومسلم (1307).
([5]) أخرجه البخاري (1735).
([6]) أخرجه مسلم (1297)، وأبو داود (1972).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق