الأحد، 29 أبريل 2018

الاإن أولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون


 تعريف الأولياء وذكر كراماتهم
 والفرق بينهم وبين الطواغيت المُدَّعين للولاية زورًا
 والفرق بين الكرامة والاستدراج(1)
·       وذلك يشتمل على المسائل الآتية:
1-         كرامات الأولياء حق، وهي: الأمر الخارق للعادة كالمعجزة، لكن الأمر الخارق للعادة إذا ظهر على يد الرسول سُمِّيَ معجزة تصديقًا له على ادعاء الرسالة، وإذا ظهر على يد ولي سُمِّيَ كرامة، وإذا ظهر على يد كافر أو فاسق  سُمِّيَ استدراجًا أو إجابة مضطر أو مظلوم، وقد دلت النصوص على ذلك.
2-         كرامات الأولياء لا تحصل لهم إلا في حال حياتهم، وحصولها في حالين: إما لشدة حاجة، وإما لتحدي الخصوم وظلمهم. أما بعد موتهم فلا يحصل لهم شيء من ذلك. وما يذكره المشركون الذين يعبدونهم من دون الله تعالى بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم من حصول بعض مطلوبهم فإنه استدراج من الله ليزدادوا به إثمًا كما قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُون وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين }[الأعراف:182-183]، وكما قال سبحانه: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِين }[آل عمران:178].
3-         يجب على المسلم أن يعرف وليَّ الله حقًّا بأنه: الذي آمن بالله حق الإيمان، وذلك: بمعرفته لله ، وما له من صفات الكمال، وَوَحَدَّهُ وأخلص له الدين، فلم يشرك بالله شيئًا، ولم يبتدع، واتقى الله في السر والعلانية بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واتبع رسوله محمدًا 
 واهتدى بهديه، ودعا إلى توحيد الله تعالى ومتابعة رسوله  ولم يدَّع لنفسه الولاية، بل إنه متواضع كثير الاستغفار، ممن قال الله عز وجل فيهم: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين}[القصص:83].
4-         أما أولئك الطواغيت الذين يستغلون جهل العوام ويضحكون عليهم بادعاء الولاية ولو بلسان الحال، كمن يلبسون العمائم، ويطيلون السُّبَح، ويتحدثون بالكذب والخرافات بأنه حصل على أيديهم كذا وكذا من الكرامات أو لمن فعل كذا أو قال كذا مع الولي فلان أو عند قبر فلان، أو المنامات الشيطانية، فهؤلاء يجب على المسلم أن يحذرهم، وأن يحاربهم؛ لأنهم دجاجلة كذّابون، دعاة إلى النار.
5-         ومن أكبر علاماتهم أنهم يدعون إلى الشرك المتمثل في الاستغاثة بالأموات والغائبين والطواف بقبورهم باسم التوسل بهم إلى الله كما تقدم بيان ذلك. ومن علاماتهم ما يحصل على أيديهم من خدمات شيطانية وسحرية؛ يغررون بها الجهال المتبعين لهم، لكي ينهبوا أموالهم ويتمتعوا باستعبادهم، بل إن منهم من تبلغ به الجرأة على الله سبحانه وعلى محارمه أن يستغل جهل الجهال واتباعهم لهم إلى انتهاك أعراض بعضهم وهتك محارمهم. فهم في الحقيقة بمنزلة أرباب الكنائس الذين استعبدوا النصارى في القرون الوسطى ونَصَّبُوا أنفسهم نُوَّابًا لله تعالى، يصدرون صكوك الغفران، ويمسحون الخطايا بعد ما يفجرون بالمرأة، وينهبون مالها ومال الرجل، حتى قامت ضدهم الثورة الفرنسية وقضت عليهم.
6-         كل مؤمن بالله تعالى موحد له يؤدي فرائضه ويجتنب الكبائر خوفًا من الله سبحانه وعبوديةً له، فهو ولي لله على قدر إيمانه؛ لأن الولاية مراتب.
مراتب المؤمنين الذين اصطفاهم الله سبحانه ويدخلهم جنته وهم في منازلها كل على قدر إيمانه ثلاث: بَيَّنَها الله سبحانه بقوله: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير }[فاطر:32].
7-         أعظم مسائل العبادة: توحيد الله عز وجل في ربوبيته، وأسمائه وصفاته، وألوهيته وعبادته.   
                                       وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



(1)   من كتاب (الإسلام في بيان ما عليه النبي  وصحبه الكرام) تأليف فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر-رحمه الله-، الجزء الأول 
صـــــــ (107:105). 

الأربعاء، 25 أبريل 2018

أختاه تمسكي بحجابك


أختاه تمسَّكي بحجاب المؤمنات واحذري التشبه بالكافِرات(1)
ومن أعظم التشبه بالكافرات: تشبه بعض النساء -هداهن الله- بلبسهن اللباس المحرم الذي تجمع به المرأة بين كبيرتين عظيمتين توعد الله فاعلة الواحدة منهما بالعذاب الأليم والحرمان من الجنة ولعنها في الدنيا والآخرة، وذلك اللباس لا تلبسه إلا الكافرات المتهتكات والعاهرات الفاجرات اللاتي يُقِمْنَ سهرات الرقص والغناء في المسارح، وهذا اللباس إما أن تكون معه المرأة شبه عارية لأنه لا يغطي إلا أسفل صدرها وبطنها وأعلى فخذيها، وبقية جسدها مكشوف أمام الناس، وإما أن يكون ضيقًا جدًا يبرز مفاتنها كأنها عريانة، وإما أن يكون شفافا يُرَى ما تحته من جسدها وعورتها.
ومن تشبه بعض النساء بالكافرات والعاهرات الذي هو من أعظم الكبائر: المشطة الميلاء المحرمة التي يعملنها لدى الكوفيرات أو في بيوتهن، ويُشوِّهن خلق الله تعالى الحسن بجمع شعر رأسها على هامتها أو تمييله على جهة واحدة، قال الله تعالى:
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى}[الأحزاب:33]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ}[الأحزاب:59]، وقال تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}[النور:31]وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا :قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مَائِلاَتٌ مُمِيلاَتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»(2) فقوله  عن الصنفين:   (لَمْ أَرَهُمَا) أي: في حياته، ولكنهما سيظهران في آخر الزمان، وهذا الحديث من معجزاته 
 فقد وقع ما أخبر به  حيث وُجد الجلادون بسياط تشبه أذناب البقر في زمن بني العباس، ضُرب بها الإمام أحمد أيام المعتصم في فتنة القول بخلق القرآن حتى إنه ليُغمى عليه من أول ضربة بذلك السوط، وتشقق لحمه حتى وصل السوط إلى العظم، ولم يثنه رضى الله عنه هذا التعذيب عن الحق، وهو إعلانه أن القرآن كلام الله تعالى منزل غير مخلوق.
وَوُجِدَت النساء الكاسيات بما عليهن من ثياب لا تستر -تقدم وصفها- عاريات في الحقيقة بما كشفنه وأبرزنه من أجسادهن، وعاريات من شكر نعمة الله عليهن بطاعته وستر أجسادهن كما أمرهن الله سبحانه، ومعنى (مَائِلاَت): أي عن الحق وطاعة الله تعالى، و(مُمِيلاَت) لغيرهن من النساء والبنات اللاتي يقلدنهن في العُري والمعصية.
ومن التشبه بالكافرات الذي هو من الكبائر: تغيير خلق الله عز وجل الذي تفعله بعض النساء وذلك زيادة على ما تقدم من التبرج تغييرهن خلق الله في أعينهن وهو سواد العينين وبياضهما الذي أحسن الله خلقه وهو (الحَوَر) الذي وصف الله سبحانه به الحُور العين في الجنة، فيغيرنه بعدسات خضراء أو زرقاء كأعين الكلب أو الهر، وهذا من تزيين الشيطان، وصدق الله العظيم حين قال سبحانه: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا}[فاطر:8].
 ولقد أحسن من قال:
يُقضَى على المرء في أيام محنته     حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن
                            
                              وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِه وصَحْبِه وسَلَّمَ.




(1)   من كتاب (الإسلام في بيان ما عليه النبي  وصحبه الكرام) تأليف فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر-رحمه الله-، الجزء الأول صـــــــ (409:407).

الاثنين، 23 أبريل 2018

فضل العلم والعلماء/ للشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر


فضل العلم والعلماء(1)
قال الله تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَق (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم (5) }[العلق:1-5]، وقال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم}[محمد:19]، وقال تعالى:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب}[الزمر:9]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُون}[الأنبياء:7]، وقال تعالى: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُون}[المائدة:63]، وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُور}[فاطر:28]، وقال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا}[النساء:83].  
وقال رسول الله ﷺ: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَىْ كُلِّ مُسْلِمٍ»(2)،وقال ﷺ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»(3)، وقال ﷺ: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ»(4)، وفي رواية: «كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ»(5)، وقال ﷺ: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ،فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»(6).
والآيات والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة.
وقد دلت هذه الآيات والأحاديث على مسائل كثيرة من العلم نذكر منها ما يلي:
1-         أول ما نزل من القرآن الكريم أمْرُ الله سبحانه لرسوله ﷺ بالقراءة، وهو أمر لأمته فرادى وجماعات.
2-        أهم ما يقرأ الإنسان هو ما يُعَرِّفُه بربه الذي خلقه وخلق جميع الكائنات، وأنه رب العالمين، والإله الحق وحده لا شريك له.
3-        تذكير الإنسان العاقل بنشأته الأولى، وأن له خالقًا رازقًا هو الله سبحانه، الذي تجب عليه معرفته، وعبادته وحده.
4-        التذكير بأهمية القلم، وفي الحديث قال ﷺ: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ. قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: الْقَدَر. قَالَ فَكَتَبَ مَا يَكُونُ ومَا هُوَ كَائِنٌ إِلى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ»(7)؛ وذلك لأنه أداة العلم والتذكير بأهمية تعلم القراءة والكتابة لما فيها من حفظ الوحي والتشريع الإلهي، وحفظ ما يحتاج إليه الناس في حسابهم ومعاملاتهم، كما قال الله تعالى:
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيم }[البقرة:282-283].
5-    وقد شَرَّفَ الله سبحانه الكُتَّاب بكتابة الوحي كلما نزل، ولولا الكتابة لضاع العلم وانتشر الجهل، ولقد أحسن القائل([1]):

العلم صيد والكتـابة قيده



قَيِّد صيودك بالحبال الواثقة


فمن الحماقة أن تصيد غزالة


وتتركها بين الخلائق طالقة
6-   الإنسان وغيره من ذوات الأرواح يُولَد وهو لا يعلم شيئًا سوى هداية الله له، فيما هداه إليه بفطرته التي فطره عليها، كهدايته لالتقاط ثدي أمه وارتضاعه له، وفتح الطير فمه لِتُلْقِي فيه أمُّه الحبَ والماءَ. والإنسان مفطور على الصدق والعدل والحق ومن ذلك: الإسلام؛ فلو خُيِّرَ إنسانٌ عاش وحيدًا في مكان لم يتعرف على أحد حتى بلغ سن التمييز والإدراك ولم يتعلم شيئًا. لو خُيِّرَ بين الإسلام وغيره من الأديان، وذُكرت له صفات وأحكام الجميع لما اختار شيئًا سوى الإسلام، لأنه دين الفطرة، وفي الحديث: «مَا مِنْ مَوْلُودٍإِلَّاويُولَدُعَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»([2]) ولم يقل: أو يمسلمانه. وعند مسلم: «أو يشرِّكَانِهُ. قَالَ رَجُلٌ: أَرَأَيْتَ لَو مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ r: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين»([3]).
7-         الله سبحانه بدأ بالعلم، فأمر بتعلمه قبل القول والعمل.
8-        أول وأوجب ما يجب على المكلَّف-وهو البالغ العاقل-أن يتعلمه هو معنى: (لا إله إلا الله).
9-        كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) لا تنفع قائلها إلا إذا كان يعرف معناها، ويعمل به بعبادة الله وحده لا شريك له؛ لأن العمل بمعناها هو المراد، ولذا قال الله سبحانه: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُم}[محمد:19]، ولم يقل: فقل. وهذه الآية دلت بمفهومها على أن الله سبحانه لا يقبل من العبادة إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، صوابًا، أي: موافقًا لما جاء في كتابه وسنة رسوله ﷺ ، وكان العابِد مسلمًا؛ لأن النصوص دلت على هذه الشروط الثلاثة لصحة العبادة وقبولها، وهي: الإسلام، والإخلاص لله، وإصابة سنة رسول الله .
10-    العمل بعد العلم؛ لأنه لابد لمن عبد الله سبحانه بعبادةٍ أن يكون على علم بأن الله سبحانه أمره بها في كتابه أو في سنة رسوله ﷺالثابتة عنه، وأن يكون عارفًا بكيفية أدائها على الوجه الشرعي.
11-   ذلك الأمر يتعلق بالعبادات؛ لأنها توقيفية لا يجوز فيها الاجتهاد والابتداع؛ لقوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}[البقرة:112]، فإسلام الوجه لله سبحانه: هو الإخلاص له، والإحسان: هو أن تكون العبادة ثابتة بالكتاب أو السنة الصحيحة، ولقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»([4])، ولقوله ﷺ: «وإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»([5]) يعني بقوله ﷺ: « فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ» أي: في الدين.
12-    أمّا أمور الدنيا فباب الاجتهاد والأخذ بالخبرة والتجربة مفتوح فيها، لقوله ﷺ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ»([6]).
13-   أهمية الاستغفار من الذنوب، والتوبة إلى الله سبحانه، وأنه مطلوب من العبد مهما كان صالحًا، ولهذا فإن أعظم الناس استغفارًا رسول الله ﷺ ، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
14-   والاستغفار أمان في الدنيا من العذاب، كما قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون}[الأنفال:33]، وأمان من العذاب في الآخرة لمن مات على الإسلام. وقد دلت النصوص على أن من لازم الاستغفار مخلصًا لله سبحانه فيه جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ومن كل بلاء عافية، ورزقه من حيث لا يحتسب.
15-   يُشرع للمستغفر أن يستغفر الله لذنبه، ولأقاربه المسلمين، ابتداءً بوالديه وللمؤمنين، لأنه مُوَكَّلٌ به مَلَكٌ يقول: «ولَكَ بمِثْلٍ»(1) إذا استغفر لأخيه المسلم.
16-   الاستغفار دعاء وذكر لله تعالى، يجده العبد الموحد في سجل حسناته إذا كان يحسن الظن بالله، ولو لم يكن مقرونًا بالتوبة، فإذا قُرِنَ بالتوبة غَفَرَ الله به الذنب، وزاد به الحسنات وبَدَّلَ الله به السيئات الحسنات.
17-   الله سبحان فَضَّلَ الذين يعلمون على الذين لا يعلمون؛ وذلك لأن العلماء هم الذين يتذكرون إذا ذُكِّرُوا، وهم أولو الألباب، أي العقول العارفة بالله سبحانه وبماله من حق العبودية.
18-   الله سبحانه أمر من لا يعلم بسؤال أهل الذكر وهم العلماء، وهذا الأمر ليس خاصًّا بالعامي الذي لا يعرف شيئًا، بل يشمل العالِمَ في الشيء الذي لم يعلمه؛ لقوله تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم}[يوسف:76]، ولهذا أمر الله سبحانه موسى عليه السلام أن يسأل الخضر عليه السلام عن العلم اللَّدُنِي الذي أُوْتيَه ولم يؤتَ موسى عليه السلام وهو من أولي العزم من الرسل وعنده علم التوراة التي فيها الهدى والبيان لكل شيء، ولهذا دعا المصطفى ﷺعلى الذين أفتوا صاحبهم الذي أصابه جرح فاحتلم: بأنه لابد له من الاغتسال، وكان الماء باردًا في ليلة باردة، وليس في إمكانه أن يجد نارًا يُدْفِيء بها الماء، ولا كِنًّا يُكِنُّه، فاغتسل ومات، فلما بلغ ذلك الرسول ﷺقال: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلاَّ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ»(2).
19-    الله R جعل العلماء من أولي الأمر الذين يُرَدُّ إليهم القول ويُسْأَلون ويُسْتَشَارون، وهذا عامٌّ للراعي الذي هو ولي الأمر الأول والرعية، فالجميع يجب عليهم سؤال أهل العلم واستشارتهم والأخذ بتوجيههم.
20-   تشريف أهل العلم العاملين بوصفهم: الرَّبَّانيين نسبة إلى الرب جل وعلا، والمراد بذلك: معرفتهم لله سبحانه، ولما جاء عنه، وعن رسول الله r، لأنهم ورثته في العلم وتبليغه، ولا يكون العالم ربانيًا حتى يتبحر في العلم ويعمل به مخلصًا لله تعالى في ذلك.
21-   ثناء الله سبحانه على العلماء بدينه العاملين به بأنهم الذين يخشون الله، وكلما ازداد العبد علمًا بالله ازداد خوفًا منه.
22-   مشروعية استنباط العالم المجتهد الأحكام من الآيات والأحاديث بالمفهوم، كما تؤخذ من اللفظ الصريح.
23-   العلماء يتفاوتون في الفهم والاستنباط تفاوتًا كبيرًا، وكثيرًا ما يكون ضعيف الحفظ ذا فهم وذكاء أكثر من بعض الحفاظ، فيفهم من النص من الأحكام ما لا يفهمه من حفظه، وهذا مصداق قوله ﷺ: «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»(3).
24-   فضل العالم العامل على العابد كبير، ولو اقتصر على الفرائض مع اجتنابه المعاصي، ولو كان العابد يصوم النهار ويقوم الليل؛ لأن إحسان العابد قاصر عليه، وعليه خطر من إغواء الشيطان وإضلاله، وربما يقع في البدعة أو المعصية وهو لا يدري، بخلاف العالم العامل فإن نفعه متعدٍ والشيطان منه أبعد.
25-   طلب العلم عبادة لله عظيمة، وهو في حلقة الذكر في روضة من رياض الجنة وسالك طريقًا إلى الجنة، والملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وكل شيء يستغفر له حتى السمك في الماء والطير في الهواء، إذا صلحت نيته وعمل بعلمه. نسأل الله العلم النافع.
26-   مشروعية سؤال الله تعالى العلم النافع؛ لقوله تعالى: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}[طه:114]،  وغير ذلك من الآيات والأحاديث الآمرة بطلبه.







(1)   من كتاب (الإسلام في بيان ما عليه النبي ﷺوصحبه الكرام) من تأليف فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن حماد العمر-رحمه الله-، الجزء الأول صـــــــ (40:33).
(2) أخرجه ابن ماجه (224)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3913).
(3) أخرجه أحمد (8316)، والترمذي (2646)، وابن ماجة (223)، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6298).
(4) أخرجه أحمد (21715)، وأبو داود (3641)، وابن ماجة (223)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4212).
(5) أخرجه الترمذي (2685)، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4213).
(6) أخرجه أبو داود (3641)، والترمذي (2682)، وابن ماجه (223)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6297).
(7) أخرجه أحمد (22707)، وأبو داود (4700)، والترمذي (2155)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2017).
([1]) الأبيات تُنسبُ للإمام للشافعي، ينظر: إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لأبي بكر الدمياطي (ج4/ 2).
([2]) أخرجه البخاري (1358)، ومسلم (2658) واللفظ للبخاري.
([3]) أخرجه مسلم (2658).
([4]) أخرجه مسلم (1718).
([5]) أخرجه أحمد (17144)، وأبو داود (4607) واللفظ لهما، والترمذي (2676)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2549) والسلسلة الصحيحة (2735).
([6]) أخرجه مسلم (2363).
(1) أخرجه مسلم (2732).
(2) أخرجه أحمد (3056)، وأبو داود (337)، وابن ماجه (572)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (365)، وفي صحيح الجامع (4363).
(3) أخرجه أحمد (16738)، وأبو داود (3660)، والترمذي (2847)، وابن ماجه (230)، وقال الترمذي: " حديث حسن"، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6763).